لسان الدين ابن الخطيب

55

الإحاطة في أخبار غرناطة

محمد بن محمد بن محارب الصّريحي من أهل مالقة ، يكنى أبا عبد اللّه ، ويعرف بابن أبي الجيش . حاله وأوليّته : أصل سلفه من حصن يسر من عمل مرسية ، من بيت حسب وأصالة ، ولخؤولته بالجهة التاكرونيّة ثورة . وقلت فيه في « عائد الصلة » : كان من صدور المقرئين ، وأعلام المتصدّرين تفنّنا واضطلاعا وإدراكا ونظرا ، إماما في الفرائض والحساب ، قائما على العربية ، مشاركا في الفقه والأصول وكثير من العلوم العقلية . قعد للإقراء بمالقة ، وخطب بجامع الرّبض . مشيخته : قرأ على الأستاذ القاضي المتفنّن أبي عبد اللّه بن بكر ، ولازمه . ثم ساء ما بينهما في مسألة وقعت بمالقة ، وهي تجويز الخلف في وعد اللّه ، شنّع فيها على شيخنا المذكور . ونسبه إلى أن قال : وعد اللّه ليس بلازم الصّدق ، بل يجوز فيه الخلف ، إذ الأشياء في حقه متساوية . وكتب في ذلك أسئلة للعلماء بالمغرب ، فقاطعه وهجره . ولمّا ولّي القاضي أبو عبد اللّه بن بكر القضاء ، خافه ، فوجّه عنه إثر ولايته ، فلم يشكّ في الشّرّ ، فلما دخل عليه ، رحّب به ، وأظهر له القبول عليه ، والعفو عنه ، واستأنف مودّته ، فكانت تعدّ في مآثر القاضي ، رحمه اللّه . ورحل المذكور إلى سبتة ، فقرأ بها على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي ، ومن عاصره ، ثم عاد إلى مالقة ، فالتزم التدريس بها إلى حين وفاته . دخوله غرناطة : دخل غرناطة مرات ، متعلّما ، وطالب حاج . ودعي إلى الإقراء بمدرستها النّصرية « 1 » ، عام تسعة وأربعين وسبعمائة ، فقدم على الباب السّلطاني ، واعتذر بما قبل فيه عذره . وكان قد شرع في تقييد مفيد على كتاب « التسهيل » لابن مالك ، في غاية النبل والاستيفاء والحصر والتّوجيه ، عاقته المنية عن إتمامه . وفاته : توفي بمالقة في كائنة الطاعون الأعظم في أخريات ربيع الآخر من عام خمسين وسبعمائة ، بعد أن تصدّق بمال كثير ، وعهد بريع مجد لطلبة العلم ، وحبس عليهم كتبه .

--> ( 1 ) هذه المدرسة أنشأها السلطان أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري ، ومكانها ما يزال معروفا إلى اليوم بغرناطة ، ويقع قبالة الكنيسة العظمى التي أنشئت على موقع المسجد الجامع . اللمحة البدرية ( ص 109 ) .